ابن عجيبة

322

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تتحصنون بها من أعدائكم ، وَأَيَّدَكُمْ أي : قواكم بِنَصْرِهِ على الكفار ، أو بمظاهرة الأنصار ، أو بإمداد الملائكة يوم بدر ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ؛ من الغنائم ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم . والخطاب للمهاجرين ، وقيل : للعرب كافة ؛ فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم ، يخافون أن يتخطفهم الناس من كثرة الفتن ، فكان القوى يأكل الضعيف منهم ، فآواهم اللّه إلى الإسلام ، فحصل بينهم الأمن والأمان ، وأيدهم بنصره ، حيث نصرهم على جميع الأديان ، وأعزهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورزقهم من الطيبات ، حيث فتح عليهم البلاد ، وملكوا ملك فارس والروم ، فملكوا ديارهم وأموالهم ، ونكحوا نساءهم وبناتهم ، لعلهم يشكرون . الإشارة : التذكير بهذه النعمة يتوجه إلى خصوص هذه الأمة ، وهم الفقراء المتوجهون إلى اللّه ، فهم قليل في كل زمان ، مستضعفون في كل أوان ، حتى إذا تمكنوا وتهذبوا ، وطهروا من البقايا ، منّ عليهم بالنصر والعز والتأييد ، كما وعدهم بقوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ . . . الآية « 1 » ، والغالب عليهم شكر هذه النعم ، لما خصهم به من كمال المعرفة . واللّه تعالى أعلم . ثم نهاهم عن الخيانة ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ ؛ بتضييع أوامره وارتكاب نواهيه ، وَالرَّسُولَ ؛ بمخالفة أمره وترك سنته ، أو بالغلول في الغنائم ، أو بأن تبطنوا خلاف ما تظهرون . قيل : نزلت في أبى لبابة في قصة بني قريظة . روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم حاصرهم إحدى وعشرين ليلة ، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بنى النّضير ، على أن يصيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشّام ، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأبوا وقالوا : أرسل لنا أبا لبابة ، وكان مناصحا لهم ؛ لأنّ عياله وماله في أيديهم ، فبعثه إليهم ، فقالوا : ما ترى ؟ هل ننزل على حكم سعد ؟ فأشار إلى حلقه ، أنه الذّبح ، فقال أبو لبابة : فما زالت قدماي حتّى علمت أنّى قد خنت اللّه ورسوله ، فنزل وشدّ نفسه إلى سارية في المسجد ، وقال : واللّه لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب اللّه علىّ ، فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشيا عليه ، ثم تاب اللّه عليه ، فقيل له : قد تيب عليك فحلّ نفسك ، فقال :

--> ( 1 ) الآية 5 من سورة القصص .